حكم بالاعدام ( الكلمة هي اصل الوجود ) للاديب // محمد توفيق الرفاعي
الكلمة هي أصل الوجود وبها بدأ التاريخ
هي ضمير الإنسان ومنطلقه ونبراس الحضارات
فلنجعل منها رسالة محبة وسلام
الشاعر محمد توفيق ممدوح الرفاعي
حكم بالإعدام
محمد توفيق ممدوح الرفاعي
صديقي لقد كنت محطة انتظار , تقبل اعتذاري لحكم اطلقته عليك بالإعدام وما عليك سوى الامتثال قليس لديك خيار .
سيدتي :
( الرجاء عدم الإزعاج ) استوقفتني هذه العبارة طويلا وأنا افكر بما تهدف إليه , عندما رأيتها وقد كتبت على أحد أبواب المنازل , هل هي دعابة من طفل صغير أراد إغاظة ساكني المنزل أو هناك ثمة شخصا مريضا قد خرج مرافقيه لقضاء أعمالهم كي لا يطرق عليه احد الباب , وفيما أنا افكر بذلك حانت مني التفاتة إلى وجود صندوق بريد قديم بجانب الباب وقد اكتظ بالرسائل حتى بدت من باب الصندوق فدفعني الفضول إلى الاطلاع عليها فاذا هي جميعها موجهة إلى سيدة واحدة ذكر الاسم الأول من اسمها الكامل وجميعها بلا عنوان يوضح مكان سكنها مما اغفل ساعي البريد تسليمها لصاحبتها أو تعمد مرسلها عدم ذكر عنوان تلك السيدة على امل أن تأتي وتستلمها بنفسها كاتفاق بين مرسلها وتلك السيدة , وبفضول مني أيضا فتحت احدى هذه الرسائل لأقرأها وعلى ما يبدو كانت تلك هي الرسالة هي الرسالة الأخيرة التي أرسلها كاتب الرسائل إلى تلك السيدة والتي لم تستلم أي منها ومن الواضح انه كتبها واغلق باب منزله على نفسه بعد أن كتب هذه العبارة على باب منزله , وها أنذا أدونها بحذافيرها على سبيل الأمانة ولا ادري ما السبب الذي دفعني إلى إرسالها ثانية نيابة عن مرسلها.
سيدتي : في غياهب التيه ضاعت كل الأماني الجميلة واصبح الحب صريعا في حلبات اليأس القاتل والتحف القلب غطاء رماديا كسحابة داكنة غير ماطرة وانكفأ في زاوية اضلع تقوست كأشجار الخريف وقد اقبل قبل أوانه , وفي سراديب نفسه التائهة غفت أحلامه البائسة التي يئست من الخروج من غرفها المظلمة بعد أن أغلقت على نفسها أبواب تلك الغرف المظلمة والتي اتشحت بالسواد لبست ثوبا اسودا أشبه بامرأة ثكلى اتكأت على أنين صمتها المشحون بآهات مكبوتة , أو كشجرة تجمدت الحياة في أوصالها بعد أن كساها جليد الشتاء ومن ثم مرت عليها ريحا صرصرا باردة جافة حولت ذلك الثلج إلى طبقة صقيع قاتل فتك بأغصانها الغضة التي كانت على تعيش على امل قدوم الربيع لتكتسي بأوراق خضراء زاهية وتحمل ثمارا يانعة فباتت تنتظر فأس الحطاب لتنهال عليها ويجعلها حطبا لموقده في ليالي الشتاء , وفيما هذه الأحلام البائسة تعانق تلك النفس العليلة على نبضات قلب منهك قد ابدأت بالتجمد من الرياح الباردة والسحب التي غطت ثناياه مانعة شمس الأمل من الإشراق هبت عاصفة قوية سحبت كل تلك الغيوم ليبرز شعاع شمس يبشر بقدوم الربيع ويعود الضياء من جديد تعيد الحرارة إلى ذلك القلب المنهك ليدب به نشاطه الذي افتقده منذ أمد بعيد ليعود ينبض من جديد ويدفع الدماء الحارة إلى أنحاء ذلك الجسد المرهق فتصحو النفس على إيقاع جميل وشدو رائع أعاد النور إلى غرفة تلك الأحلام ويعم عبق الأريج أرجائها وكأن الربيع قد اقبل فهذه شجيرات الياسمين بدأت تعرش وتزهر من جديد , ورغم أنها كانت تعاني ما تعانيه من وحدة وسقم لكنه وجد فيها ضالته المنشودة والأمل الذي كان يحلم به طوال حياته بعد أن ياس من تحقيقه , كانت وحيدة بلا ونيس ولا جليس وقد أطبقت عليها وحدتها وعزلتها كطريدة علقت بشراك صياد زرعها في وسط الغابة تتخبط حين يشتد عليها الألم من ضيق تلك الشراك فتشعر بان قلبها يكاد يخرج من مكانه بسبب تسارع ضرباته وتهدأ حينا لتلتقط أنفاسها لتفكر بطريقة ناجعة للإفلات منه رغم يأسها من الإفلات إلى أن يأتي ذلك الصياد ليخمد ذلك الأمل بالنجاة غير ابه بتوسلات نظراتها الحزينة بجز سكينه على رقبتها لينهي الألم إلى الأبد وجدا نفسيهما تجمعهما الوحدة والألم لمس فيها الأمل المفقود حين أقبلت تخترق المستحيل وقد ابهره جمال طلتها وعشق عبير عطرها واسر لها بانها انتشلت من الأعماق السحيقة غريقا في لج من الأوهام بنظرات كانت هي الدواء الشافي له من الأسقام التي تراكمت عبر الأيام العاصفة , وهي أيضا أسرت له وجدت ضالتها المفقودة بعد أن كادت تجف دماء الحياة في عروقها ومن الوحدة المضنية التي تكابدها فباحت له بحبها الذي تغلغل في أعماق وتينها وعاهدته على الحب والوفاء وبلمسات حنان وعاطفة الأنثى التي كانت تنتظر منه كل شيء امتدت بيد السحر إلى ذلك المفتون بهواها واطلقت له العنان ليستوقد تلك النار الخامدة فألهبت بسحر الغزل وهمس الحنين عواطفهما المكبوتة لتستخرج منه أصداف المحار ولألألئ البحار كغواص امضى عمره في تلك البحار السحيقة وبعشقه المفتون بها استطاع أن يستوقد نيران ذلك القلب الخامل بين أضلعها فكان الحب قوت يومهما وبيان عذب الغرام سهراتهما اليومية , كان العناق شغفهما والرقص على انغام القلوب دأبهما كان يعزف لها على قيثارته اجمل أشعاره وهي تتلوى راقصة بأبهى حللها كان مفتونا بغنج ضحكتها وكانت مغرمة بغزل كلماته التي كانت تتلهف لسماعها ومضت لحظات الحلم سريعا وقد استفاق من غفوته التي كان ينعم فيها بأجمل لحظات الغرام لقد بدأت قصائده بلا معنى تذروها الرياح والانتظار الرهيب القاتل يخيم بسكين الفراق ولم يعد الاشتياق حنينا ولا اللقاء ودودا والانتظار طويلا والشرخ يتسع شيئا فشيئا وجراحه التي بدأت تندمل عادت إلى الأنين وبدأ النزف من جديد , لكنه كان يبرر تصرفاتها رغم أن احاسيسه ترفض كل الاعذار التي يلتمسها لها ، يعاتبها احيانا ويغضب احياوا اخرى وفي كل مرة تبرر تصرفاتها بأعذار واهية مؤكدة له حبها المذعوم كان تقبل اعذارها على مضض مكذبا كل احاسيسه التي كانت تحذره من تصرفاتها .
سيدتي هل تعلمين ما كان مكنون صدرها ؟ كانت تمضي معه رحلة استجمام وفترة نقاهة تستعيد فيها رونقها وترضي غرورا في داخلها , كانت تتلذذ بكلمات الغزل التي افتقدتها وتحن إليها لترضي غرور الأنثى في داخلها وانها ما زالت ملهمة العشاق في نثر الغزل ومحط أنظار المفتونون بجمالها والإطراء في عيون الأخرين , لقد جعلت منه محطة على قارعة طريق تنتظر مغادر على امل أن يعود اليها بعد أن غياب وقد عقدت عليه العزم , لقد فارقها بعد أن أعطاها الأمل بالعودة وقد طال هذا الأمل فأرادت أن تستجمع قواها لتكون قادرة على البقاء في حال اللقاء وكان هذا المسكين محط الاختبار وقد جعلته في قائمة الاحتياط , ولكن ما أن لاحت في الأفق بوادر القادم الموعود الذي كانت تنتظره حتى عمدت إلى وضع حبل المشنقة حول ذلك البائس الذي كان يتمسك بالحياة لتحكم عليه بالإعدام مرفقة ببطاقة اعتذار , ( صديقي لقد كنت محطة انتظار , تقبل اعتذاري لحكم اطلقته عليك بالإعدام وما عليك سوى الامتثال فليس لديك خيار ).
تعليقات
إرسال تعليق